السوق المسقوف في اسطنبول: أزقّةٌ مفعمةٌ بعبق التّاريخ

عندما نتحدّث عن السوق المسقوف في اسطنبول، سيكون الحديث عبارةً عن محاولة لإدراك تلك الأسرار الكامنة المبثوثة هناك بين أزقّة السّوق العتيق، أسرارٌ تجتذب يوميّاً عشرات ألوف الزّائرين من شتّى أنحاء الأرض.      
"إنّه قلب ودماغ وروح إسطنبول" بهذه الكلمات وصف الشّاعر الحائز على جائزة نوبل "جوزيف برودسكي" السّوقَ الكبير ضمن كتابه "رحلة إلى إسطنبول" كما وصفه بأنَّه مدينةٌ داخل مدينة بُنيَتْ في الماضي.

السوق المسقوف: المكان التّاريخيّ الأكثر زيارةً في العالم  

هكذا وصفت مجلّة The Time الأمريكية السوق المسقوف في تصنيف لها قامت به حول الأماكن التاريخيّة الأكثر زيارة في العالم، وأفادت الدّراسة بأنّ السّوق يدخل إليه 91 مليون و250 ألف زائر في العام الواحد، وتقدّر بعض الدّراسات الأخرى العدد بقرابة 400 ألف زائر يوميّاً!

السوق المسقوف
ويتميّز جراند بازار بموقعه في منطقة بيازيد، قلب مدينة إسطنبول وعلى مسافة قريبة من آيا صوفيا والجامع الأزرق، وإلى جانب عدد من المعالم السّياحيّة الشّهيرة.
في البازار الكبير، ستختبر مُتعةً فريدةً في التّسوّق لن تجدها في مولات اسطنبول الكبرى، حيث يمتدّ السوق المسقوف على مساحة تقدّر بأربعين ألف متر مربّع، ويوصف السّوق بالمسقوف لأنّه مغطّىً من الأعلى بسُقوف على شكل أقواس تظهر كتحفة معماريّة وفنّيّة تلفت الانتباه، وتثير إعجاب النّاظرين بهندستها الفريدة، وألوانها الجميلة.
أمّا عن الأبواب، فالسّوق محاطٌ بأحد عشر باباً رئيسيّاً من بينها باب بايزيد، وباب محمود باشا، وباب نور عثمانيّة، وباب أورجو، وباب السّوق، وباب المنجّدين.

السوق المسقوف: متاهة لا تنتهي من الأزقّة العتيقة

عند دخولك إلى السّوق ستشعر أنَّك في متاهة من الأزقّة لا أول لها ولا آخِر، لذا ينبغي الاسترشاد بدليل سياحيّ محترف، أو خريطة دقيقة تدلّك على مداخل السّوق ومخارجه.

جراند بازار
حيث يضمّ السوق المسقوف أو "جراند بازار" بين جنباته نحواً من 2500 متجر متنوّع، موزّعة على ستّين شارعاً، ويعمل به حوالي 26 ألف شخص.

السوق المسقوف في اسطنبول: نافذة إلى عمق التاريخ

لا يزال السوق المسقوف في اسطنبول متفرّداً بكونه واحداً من أقدم مراكز التّجارة في العالم، فبمجرّد دخولك إليه يعود بك التاريخ 550 عاماً إلى الوراء.
حيث تمّ بناء أوّل جزء مغلق من السوق منتصف القرن الرابع عشر بأمر من السّلطان محمد الفاتح عام 1461م، واستغرق بناؤه قرابة أربع سنوات، ثمّ قام السّلطان سليمان القانوني بتوسعته في القرن السّادس عشر.

العهد العثماني
وكان السّوق يعدّ مركزاً للبورصة خلال العهد العثماني، ولكنّه تعرّض للعديد من الحرائق والزّلازل التي سبّبت الكثير من الأضرار خاصّة زلزال عام 1894م، وبعد هذه الكوارث تمّ ترميمه عدّة مرات ليبقى محافظاً على بنيته المعماريّة.

السوق المسقوف في اسطنبول: عبَق قهوة وحكاية عِشق

إذا دخلتَ السوق المسقوف في إسطنبول فلن تغادره قبل أن يسْحرَك عبق القهوة التّركيّة ويترك أثره في نفسك، حيث تتطاير روائح القهوة المطحونة، وتتغلغل بين الأزقّة العتيقة مخترقةً حشود المارّة، طاغيةً على ما سواها من روائح التّوابل المنبعثة هي الأخرى من دكاكين العطّارين.

عبَق قهوة
وتمّ إنشاء عدّة دكاكين صغيرة منتشرة عبر السّوق المسقوف Kapalıçarşı بتلبية متطلّبات متذوّقي وعُشّاق القهوة وما يتبعها من صناعات، حيث تُعرض مستلزمات القهوة من أكواب وأباريق وأوانٍ نحاسيّة مزركشة، وغلّايات يُطلق عليها الأتراك اسم الجزوة.
يُذكر أنّ الأتراك عرفوا القهوة في عام 1543م على يد الوالي العثماني على اليمن، الذي اعتاد شربها هناك وأتى بها إلى إسطنبول عند انتهاء ولايته، حيث ذاع صيتها في تركيا وانتقلت منها إلى أوروبا.

القهوة التّركيّة
ويشير خبراء القهوة إلى أنّ الاختلاف في الطّعم بين القهوة التّركيّة وباقي أنواع القهوة يرجع إلى طريقة الإعداد وفترة التّحميص التي يستغرقها كلّ منها.
وتشتهر القهوة التّركيّة برغوتها الغنيّة، ورائحتها الجذّابة، ومذاقها الثقيل نسبيّاً والذي لا يخلو من نكهة الحموضة، ويعود هذا إلى تخمير حبوبها بشكل جيّد.
وتمتاز عن بقية أنواع القهوة كذلك بطول فترة التّحميص وعمليّة الطّحن التي تنتج مسحوقا بنّيّاً بالغ النّعومة.

حقائق وأرقام حول السوق المسقوف في اسطنبول

تاريخ الإنشاء

القرن الرابع عشر

تاريخ التّوسعة

القرن السّادس عشر

المساحة الكلّيّة

40 ألف م2

عدد الأبواب الرّئيسة

11

عدد الشوارع والأزقّة

60

عدد المتاجر

2500

عدد العاملين في السوق

26 ألف شخص

عدد الزّوّار سنويّاً

91 مليون و250 ألف

كلفة الدخول

مجّاناً

أوقات الزيارة

9 صباحاً إلى 8 مساءاً

أيام العطل

الأحد والعطلات الرّسميّة

ما أنواع البضائع المعروضة في السوق المسقوف؟

في الزّمن القديم، كان السوق المسقوف يضمّ العديد من الحرف اليدويّة، وكان أصحاب كلّ حرفةٍ يجتمعون سويّاً في مكان ما من السّوق، فهناك شوارع تختصّ ببيع المصنوعات الجلديّة والأثاث، وأخرى تصنع الحلوى التّركية التّقليديّة اللّذيذة مثل حلوى الحلقوم التركي.

الحلقوم التركي
ولذلك سُمّيَ كلّ زقاقٍ باسم الحرفة التي يقطن أصحابها فيه، فهناك مثلاً شارع الذّهب، وشارع النّحاس، وشارع النّجارين، وشارع الحدادين...
ويلجأ البائعون عادةً إلى جذب الزّبائن والسّائحين من خلال أساليب طريفة لإقناعهم بضرورة شراء الهدايا كالتّحف والحلوى...

شارع الذّهب
وربّما تكلّموا معهم بلغتهم التي يفهمونها نتيجة شدّة الاحتكاك بهم عبر السّنين، ولذلك فعند قيامك بشراء قطعة محدّدة من البازار الكبير يُفضّل أن تقوم بمساومة البائع، الأمر الذي سيوفّر عليك مبلغاً لا بأس به.

موقع السوق المسقوف في اسطنبول
ويوفّر السوق المسقوف أنواعا خاصّة ومميّزة من المشتريات قلّما تجدها في مكان آخر، حيث يضمّ الجراند بازار البضائع التّالية:
  • الأواني المنزلية المصنوعة يدوياً.
  • السّجّاد المنزليّ وسجّاد الزّينة.
  • الأدوات الفخّارية والنّحاسيّة
  • الحلوياّت التّركيّة التّقليديّة
  • الأحجار الكريمة.
  • الجلود الأصليّة.
  • الهدايا بأنواعها.
  • التّحف القديمة.
  • الأقمشة.
  • الذّهب.
  • الفضّة
  • التّوابل.

جراند بازار

هذا بالإضافةً إلى ما يعرضه السّوق من أصناف وأغراض متفرّقة تلبّي حاجات السّيّاح التي يرغبون في اقتنائها.
يُذكر أنّ الكثير من المحالّ التّجاريّة في السّوق تحوّلت إلى ما يشبه المتاحف الأثريّة الصّغيرة.

بيازيد

السوق المسقوف من أغلى مناطق اسطنبول

تعتبر أسعار المحالّ الموجودة ضمن السوق المسقوف من أغلى الأسعار في إسطنبول وربما في تركيا كذلك، نظراً لقيمتها الأثريّة، وللإقبال السّياحيّ الكثيف كذلك.
حيث وسّعت بعض المحالّ التّجاريّة الموجودة داخل السوق المسقوف نشاطها وأصبح لديها علاقات تجاريّة مع شركات إنتاج عالميّة، إذ تقوم ببيع الألبسة الجلديّة التّاريخيّة والتّراثيّة الخاصّة، وذلك بغرض استخدامها في إنتاج الأفلام السينمائيّة الوثائقيّة والتّاريخيّة، الأمر الذي ينطبق كذلك على بعض المسلسلات التّاريخيّة التّركيّة التي تقوم باقتناء أغلب ما تحتاجه من هذا السوق.

سوق البازار الكبير اسطنبول
فمن المشهور مثلاً أنّ دكّاناً في السّوق يمتدّ عمره إلى ما يزيد عن 155 عاماً تتعامل معه كبرى شركات الإنتاج في هوليوود لاستيراد الملابس والأقمشة منه لاستخدامها في الأعمال السّينمائيّة، كما تقوم شركات الإنتاج التّركيّة بالشّراء منه لمسلسلاتها المشهورة مثل قيامة أرطغرل!

تحرير: سفرك السياحية©
المصادر: الجزيرة نت - ترك برس
هل أعجبك موضوعنا؟ يمكنك مشاركته مع أصدقائك الآن!